Friday, July 10, 2009

رسالة مفتوحة إلى صديقي جميل




بقلم: محمد المختار ولد الدمين

صديقي..

وشرف ذلك لي عظيم أن أقولها وأكتبها وأطبقها.

رغب إلي أهل الإخبات والتبتل –أحسبهم كذلك ولا أزكي على الله أحدا- أن أكتب عنك، محسنين الظن بي مذكرين ومستذكرين أيام كنا كندماني جذيمة أو دومتي وادي العماد، غير أنا افترقنا في حياة سمحت بالتواصل ولو غبا، بعد أن طوحت بي دواعي الاغتراب وبقيت في الدار ما صدك السعدان عنها ولا صدا.

ولم أفكر في الامتثال، وغمغمت في الجواب، ثم أزمعت الإجابة مستحضرا أن ميدان الكتابة فسيح، فستتداعى الأفكار هينة لينة كخطابك، سمحة كخلالك، رصينة كفعالك جميلة كسيماك ومسماك، لكن الشاعر قال من قبل:

وإياك والأمر الذي إن تعددت**** موارده ضاقت عليك المصادر

وكنت أحسب ذلك في الإبصار فألفيته في البصيرة، وعرفت أنه بقدر اتساع الميدان يكثر المتسابقون وتضيق فرص الفوز والتميز، فأحجمت وترددت وفكرت واستقلت فعوتبت، وتتالت الطلبات فاستجبت، فأنا امرؤ أضعف أمام الإلحاح.

***

كتبت إليك مرة وقد شطت بي الدار رسالة استفتحتها بقول شاعر الوسيط:

أما والغواني من أناة وناهد****وما طاب من أيامها والمعاهــد

وما لذ للعينين من بشراتها**** وللسمع قدما من حديث الخرائـد

لقد نزلت أرضا أميمة منزلا****من القلب لم تحلل به عين رائـد

وقلت لك فيها إنك أميمتي:

وما زلت يا جميل أميمة التي

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى****فصادف قلبا خاليا فتمكنا

أرجو أن يكون حبا في الله ولله، فلم يكن لك مال أسعى إليه ولا جاه أتوصل به، وهي علاقة افتخرت بها يوم استمع ضعفة العقول لمروجي فتن نظام ولد الطايع، ولئن بقيت مناضلا وخرجت مهاجرا فعهدك عهدي وأنت عندي كما كنت على كل حال.

كنا فتييْن من غمار الناس يسري عليك ما يسري علي من ضيق عيش وقلة ذات يد وهامشية منزلة، وإن لم يعوزنا جميعا صادق الأمل وجميل الحلم وكريم المسعى.

رفيقان ضم السفر بيني وبينه****وقد يلتقي الشتى فيأتلفان

وتعارفنا حتى عرفنا ببعض فلم أجد فيك –شهادة لله- إلا علو الهمة وحسن الخلق وكرم النفس والجود والشجاعة اللامتناهية.

***

لم تكن تيارت مطلع الثمانينيات غير حي عشوائي بريء رص بعضه على بعض في الكبات وتمايزت مساكن آخرين عن بعضها في دور كالأكواخ دون ميزة عن تلك في كهرباء أو ماء أو رياش.

هنا يعرف الناس بعضا فلا أندية ولا دور ثقافة ولا سينما يلتقون في بيوتهم ويتقاسمون ما لديهم كالأشعريين، لكن للشباب هنا مطامح عجيبة فهم يحسبون أنهم سيرفعون شأن البلد بل الأمة، وينظرون إلى الحياة بقوة وتصميم يحملون آخر أحلام العرب والمسلمين ويجسدون أدبيات إسلامية أو قومية تنادي برفع الظلم وإنهاء التهميش.

وكنتَ ممن جسد ذلك بعزة وإباء وصدق.

دخلت حلبات النقاش فكنت واسع العطن خطيبا مفوها ولسنا مبينا، تصدق في العزو وتوفق في الاستدلال.

وآتاك ربك ما أتاك من هيبة أشهد أنها أنقذت الموقف مرات حين تحرش القوم، لكن ضعفت حين أرسلوا نساءهم لأنك تخاف الحرام، فخرجت من زحام النقاش، ولعلك تذكر حين لمت صديقك الذي لم يهرب منهن وإن لم يستمع لك، ظنا منه أنها "مشية يبغضها الله في غير هذا الموقع".

لقد كنت دائما خائفا من الحرام.

***

أخذ وسواس الصلاة بهواجسك فكان من حججك أن الأمر ذاتي لا دخل للعلم فيه، وهو رد إن بدا غير فقهي فقد كشف عن نفسية تبني أمورها على الوجدان والاقتناع الذاتي أكثر من غيره.

ويوم قال أحدهم متهكما ولعله ممن سبقتهم لهم حسنى البداية وكبا في الوسط –نسأل الله له حسن الخاتمة- أن هذا الوسواس في الصلاة مكروه ولا وجود له في السياسة، رددت بأن تلك من القطعيات فالاحتياط فيها لازم وهذه من الظنيات فالتقدير فيها واسع.

ويكشف ذلك عن منهجية ونسقية طبعت حياتك ولم تتناقض.

يومها كان الحديث عن المستضعفين والمهمشين والمرأة والرق حديثا بعيدا عن "الشعبوية" ومتطلباتها، بل يتهم صاحبها "بتصريف بضاعة الكفر" -على لغة أحد مشايخك الأجلاء- فلم تترد فيما رأيته صوابا ونقبت في المصادر مستدلا وموجها ورابطا بين الصور المختلفة، فعاد الناس اليوم لما رأوه منك أمس منكرا، وتلك طبيعة في نبهاء المفكرين.

قالت لك إحداهن ممن تتسنم اليوم مسؤولية في نساء تواصل مازحة "افصل بيننا وبين الرقيق"، فكان الرد منهجيا: إن الاستضعاف والتهميش واحد سواء تعلق بالمرأة أو بالرقيق أو بالطبقات، وآليت على نفسك لا يكون سلوكك في ذلك إلا رفعا من شأن الجميع، وهو ما كان في خاصة نفسك بوضوح واعتزاز.

***

قلتُ للإسلاميين إن الله قيض لكم رجلا بمواصفات اجتماعية نادرة فلا تهملوه ولا تسلموه، ولو أخذتم غيره لقيادة الحزب لندمتم ندامة إبليس.

فالرجل قادم من المجتمع العادي، لا تعوقه أرستقراطية علمية ولا تقيده قيادة اجتماعية، ولا تعوقه مصالح مالية، فهو من مادتكم ومنكم وإليكم، ولا خير في الحركة الإسلامية ما لم تكن خيارا من عمق المجتمع تعبر عن تطلعات محروميه ومهمشيه ومن في حكمهم وتجسد ذلك في قياداتها.

هبوا أنه كان من تلك العلية، ألا يحمل أوضارها ويستصحب سلوكها ويستبطن مصالحها، وأصعب ما يُتَخلَّصُ منه ما كان بيئة في حياة الناس.

وليس معنى ذلك أن أيا من القيادات الأخرى يجسد ذلك فقد رأينا والله تخليهم عن خيارات الأهل وتفضيلات الطبقات وكفرهم بمواضعات المجتمع، ولم نلمح لذلك اليوم إلا في سياق مزايا تتعزز في البعض وتخفت في البعض الآخر لكنها من حيث الأساس في الجميع.

وأركان حملتك اليوم خير مثال، فمنهم الأرستقراطي ابن المشيخة الصوفية النافذة، ومنهم "مرابطوك" وبينهم "أمراؤك" و"عرب" قادة و"زوايا" "فتواًّ إلى المجد انتموا من محتدين"، ومهمشون في المجتمع كبارا في الحزب، ارتضوك جميعا قائدهم ومرشحهم راضين مرضيين.

وهنا ألفت إلى أن الأحزاب المشابهة في البلد لا يوجد فيها قيادي مثيل لجميل في تلك الوضعية الاجتماعية، وهو رصيد نادر للحركة الإسلامية أن تفخر به وتعتز، وهو من كبرى الدعايات المجانية لها... فقد خلصها من أن تشكل امتدادا لفهم زاويّ تقاطعت معه أحيانا وتباينت أحايين، كما جنبها استمرارية أطر اجتماعية لم يقم وضعها على ما يجب أن يكون عليه العدل والتراضي، ونجت في الوقت نفسه من أن تكون أداة لمسحوق يعبِّر بها عن مكبوتاته، فضمنت بقيادتك وسطية نادرة.

***

قال لي أحدهم إنه ترشح غير مفهوم، فالرجل لا تسنده عصبية كاثرة، ولا يعضده مال وافر، ولا تقف وراءه جهة نافذة.

قلت تلك ميزاته، أما أن يكون التأييد للرجل وبرنامجه منطلقا من التأكد من نجاحه فقط، فتلك انتهازية تربّى عليها ساستنا ردحا من الزمن وآن لها أن تنتهي، وأن يقدم الجميع من يحملون أحلام التغيير وآمال المستضعفين ومطالب المهمشين، ويربّون الناخبين على ذلك ويسعون لإنجاحهم وإن إلى ربك الرجعى وإليه المآب.

عذرا يا صديقي إذا لم يصوت لك الناس، فأنت والله شامة المرشحين، القادم من أعماق المجتمع الصادقُ مبدأً وممارسة، المسامِحُ سلوكا ومنهجا، الهين اللين العزيز المتأبي على كل الإغراءات، يعرف ذلك منافسون ويدركه غابطون وحاسدون، وإن تنكروا له فستكتب شهادتهم ويسألون، ويومها لا يسوغون موقفهم باجتهادات وترجيحات، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وإن لم تكن أكثرهم تابعا اليوم فالمستقبل لك وتذكر أيام الثمانينيات، واستعن بالله ولا تعجز.

جميل..

كل ينفق مما عنده وليس لدي إلا صناعة الكلام فتقبل مساهمتي في الحملة بهذه الإيماءة –وتعرف صعوبة الكتابة علي رغم ترزقي من احترافها- فليس لدي مال أدفعه ولا جاه أدفع به، لكني لن أنكّب جهتك طمعا ولن أتركها رغبا ولن أدعها رهبا.

ولئن كنتَ أميمتي الأولى فأنت ممدوحي الأول في متنافسين على كرسي الرئاسة.

عش في وجدان كل وطني غيور...

صديقك ولد الدمين/ الدوحة-قطر

No comments:

Post a Comment